مجد الدين ابن الأثير
مقدمة 77
البديع في علم العربية
الأول : التوازن بين الإيجاز والإطناب : حينما همّ ابن الأثير في تأليف كتابه ، لا أشك في أنه عمد إلى كتاب من أهم كتب شيخه " ابن الدهان " ، وهو المسمى ب " الغرة في شرح لمع ابن جني " فاستقى منه أكثر مادة كتابه - كما سيأتي تفصيله « 1 » - ، وكتاب الغرة لابن الدهان من أحسن الكتب التي ألفت في القرن السادس الهجرىّ ، ومن أجمعها قال عنه ابن خلكان : ( وشرح كتاب اللمع - لابن جني - شرحا كبيرا يدخل في مجلدين ، وسماه " الغرة " ، ولم أر مثله مع كثرة شروح هذا الكتاب ) « 2 » . وابن الدهان كان علما من أعلام النحو في عصره ، وكان كما قال عنه العماد الأصفهاني : ( بحر لا يغضغض ، وحبر لا يغمض ، سيبويه عصره ، ووحيد دهره ) « 3 » . لهذا وجد ابن الأثير - وهو العازم على الاختصار - أنه يقف أمام موسوعة نحوية مطنبة ؛ فكتاب الغرة جمع من الآراء والشواهد والعلل شيئا هائلا ، لو نقله المؤلف في كتابه لوقع في الإطناب الذي لم يرتضه لنفسه ، ولو اختصره ربما وقع في الإيجاز المحذور ، فجاء كتابه لهذا السبب جامعا لكثير من مسائل النحو والصرف مفصلا لها ، وإنّ من يقرأ كتاب ابن الأثير وحده ولا يطلع على كتاب ابن الدهان سينال كامل إعجابه ، ولن يرى فيه الإطناب المملّ ، فهو يسوق القضايا النحوية بأسلوب واضح ، ويستوفي في كل قضية جوانبها ، ولكنه إن اطلع على كتاب " ابن الدهان " وغيره من الكتب المتوسعة
--> ( 1 ) ص : 93 . ( 2 ) وفيات الأعيان ( 2 / 382 ) . ( 3 ) نقله القفطي في إنباه الرواة ( 2 / 51 ) .